عبد الله بن معتز بن متوكل بن معتصم بن هارون الرشيد
62
طبقات شعراء المحدثين
يديه ونظر إلى مجالسهم كهيئتها بالأمس ، ورأى أبا الغمر على السرير - وفيهم رجل من كلب من أخوال أبي الغمر ، وكان منعه الحاجب وقت دخولهم ، فنادى : يا أبا الغمر هذا يمنعني من الدخول ، فقال أبو الغمر : هذا رجل من أخوالي فاتركه ، فقال له الحاجب : ويلك ارجع فهو خير لك ، فقال : لا واللّه لأدخلنّ ، قال : فأنت أعلم - ثم أنشأ سديف يقول : لا يغرّنك ما ترى من رجال * إنّ تحت الضّلوع داء دويّا فضع السيف وارفع السّوط حتّى * لا ترى على ظهرها أمويّا « 1 » واستمر في القصيدة حتى أتى على آخرها ، وأبو العبّاس يغتاظ ويحنق « 2 » ويتلوّن . فقال سليمان بن هشام لسديف : يا ابن الفاعلة ألا تسكت ؟ فلما قال ذلك اشتد غضب أبي العبّاس ، ونظر إلى رجال خراسان وهم وقوف بالأعمدة فقال لهم بالفارسية : دهيد ، يعنى اضربوا . فشدخوا رؤوسهم بالأعمدة حتى أتوا على آخرهم . ثم نظر إلى سليمان وقال له : يا أبا الغمر مالك في الحياة خير بعد هؤلاء ، فقال : أجل . فشدخوا رأسه وجرّوه برجله حتّى ألقوه مع القوم ، وصاح الرجل الكلبيّ فقال : يا أمير المؤمنين أنا رجل من كلب ، فقال أبو العبّاس : ساعدت القوم على سرّائهم فساعدهم على ضرّائهم ، وأومأ أن اضربوه فإذا هو مع القوم ، ثم جمعهم وأمر بالأنطاع « 3 » فبسطت عليهم ثم جلس فوقهم ، ودعا بالغداء فتغدّى ، وإنّ بعض القوم ليتحرك ، وفيهم من يسمع أنينه ، فلما فرغ من غدائه « قيل له : هلا » « 4 » أمرت بهم فدفنوا أو حوّلوا إلى مكان آخر فإن رائحتهم تؤذيك ؟ قال : واللّه إن هذه الرائحة لأطيب عندي من رائحة « المسك والعنبر » الآن سكن غليلي « 5 » . ومما يستحسن من قول سديف في الغزل : أعيب التي أهوى وأطري جواريا * يرين لها فضلا عليهنّ بيّنا « 6 »
--> ( 1 ) وفي رواية : فضع السوط وارفع السيف . ( 2 ) يحنق : يغتاظ . ( 3 ) الأنطاع : جمع نطع وهو بساط من جلد يفرش تحت المحكوم عليه بالعذاب أو بقطع الرأس . ( 4 ) وردت هذه العبارة في نصّ الأغاني كي يتمّ سياق الكلام . ( 5 ) سكن غليلي : هدأ ، والغليل ( هنا ) : الحقد ؛ والغليل أيضا : العطش الشديد ، وحرارة الحبّ أو الحزن . ( 6 ) أطري : أبالغ في المدح والثناء - الفضل البيّن : الفضل الواضح الجليّ .